ابن قيم الجوزية
293
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ [ يوسف : 33 ] أي من مرتكبي ما حرمت عليهم . وقال تعالى : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ [ النّساء : 17 ] قال قتادة : أجمع أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن كل ما عصي اللّه به فهو جهالة . وقال غيره : أجمع الصحابة أن كل من عصى اللّه فهو جاهل . وقال الشاعر : ألا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا وسمي عدم مراعاة العلم جهلا ، إما لأنه لم ينتفع به . فنزّل منزلة الجهل . وإما لجهله بسوء ما تجني عواقب فعله . فالفرار المذكور : هو الفرار من الجهلين : من الجهل بالعلم إلى تحصيله ، اعتقادا ومعرفة وبصيرة . ومن جهل العمل : إلى السعي النافع ، والعمل الصالح قصدا وسعيا . قوله : « ومن الكسل إلى التشمير جدّا وعزما » . أي يفر من إجابة داعي الكسل إلى داعي العمل والتشمير بالجد والاجتهاد . و « الجد » هاهنا هو صدق العمل ، وإخلاصه من شوائب الفتور ، ووعود التسويف والتهاون . وهو تحت السين وسوف ، وعسى ، ولعل . فهي أضر شيء على العبد . وهي شجرة ثمرها الخسران والندامات . والفرق بين الجد والعزم : أن « العزم » صدق الإرادة واستجماعها . و « الجد » صدق العمل وبذل الجهد فيه . وقد أمر اللّه سبحانه وتعالى بتلقي أوامره بالعزم والجد . فقال خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ [ البقرة : 63 والأعراف : 171 ] وقال وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ [ الأعراف : 145 ] وقال يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ [ مريم : 12 ] أي بجد واجتهاد وعزم . لا كمن يأخذ ما أمر به بتردد وفتور . وقوله : « ومن الضيق إلى السعة ثقة ورجاء » . يريد هروب العبد من ضيق صدره بالهموم والغموم والأحزان والمخاوف التي تعتريه في هذه الدار من جهة نفسه . وما هو خارج عن نفسه مما يتعلق بأسباب مصالحه ، ومصالح من يتعلق به ، وما يتعلق بماله وبدنه وأهله وعدوه . يهرب من ضيق صدره بذلك كله إلى سعة فضاء الثقة باللّه تبارك وتعالى ، وصدق التوكل عليه ، وحسن الرجاء لجميل صنعه به ، وتوقع المرجو من لطفه وبره . ومن أحسن كلام العامة قولهم : لا همّ مع اللّه . قال اللّه تعالى : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ( 2 ) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [ الطّلاق : 2 ، 3 ] قال الربيع بن خثيم : يجعل له مخرجا من كل ما ضاق على الناس . وقال أبو العالية : مخرجا من كل شدة . وهذا جامع لشدائد الدنيا والآخرة ، ومضايق الدنيا والآخرة . فإن اللّه يجعل للمتقي من كل ما ضاق على الناس واشتد عليهم في الدنيا والآخرة مخرجا . وقال الحسن : مخرجا مما نهاه عنه وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [ الطّلاق : 3 ] أي كافي من يثق به في نوائبه ومهماته . يكفيه كل ما أهمه . و « الحسب » الكافي حَسْبُنَا اللَّهُ [ التّوبة : 59 ] كافينا اللّه . وكلما كان العبد حسن الظن باللّه ، حسن الرجاء له ، صادق التوكل عليه ، فإن اللّه لا يخيب أمله فيه البتة . فإنه سبحانه لا يخيب أمل آمل ، ولا يضيع عمل عامل . وعبر عن الثقة وحسن